تُعدّ الجريمة المنظمة إحدى أخطر الظواهر الجنائية التي تهدد الأمن القومي للدولة العراقية في ظل التحولات السياسية والاقتصادية والأمنية بعد عام 2003. وقد تعاظمت أشكالها لتشمل الإرهاب و الإتجار بالبشر والمخدرات، غسل الأموال، تهريب النفط، الابتزاز، شبكات الفساد، والجرائم العابرة للحدود. وبمقدار خطورتها، سعت الدولة العراقية إلى بناء إطار قانوني متكامل لمواجهتها يستند إلى الدستور، قانون العقوبات، التشريعات الخاصة، والاتفاقيات الدولية. يتناول هذا المقال تحليل الإطار القانوني الوطني، بياناً لنقاط القوة والقصور، وتقييماً لمدى توافقه مع المتطلبات الدولية لمناهضة الجريمة المنظمة .
أولاً: الإطار الدستوري لمكافحة الجريمة المنظمة
كرّس الدستور العراقي (2005) الأساس العام لمكافحة الجريمة المنظمة من خلال النصوص التي تؤكد:
1- حماية الأمن الداخلي : نصت عليها المادة (7): حظر الكيانات التي تتبنى العنف أو الإرهاب أو التطرف و المادة (9/أولاً): تنظيم القوات الأمنية بما يضمن احتكار الدولة للسلاح ومنع التشكيلات خارج القانون .
2- حماية الحقوق والحريات : نصت عليها المواد (14–37): حماية الحق في الحياة، الأمن، الخصوصية، الملكية، وحرية التنقل، وهي حقوق تنتهكها الجريمة المنظمة بشكل مباشر.
3- التزامات الدولة في مكافحة الجريمة : نصت عليها المادة (8): التزام العراق بالاتفاقيات الدولية، ومنها اتفاقية باليرمو 2000 لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية .
وبذلك يوفر الدستور الإطار العام الشرعي، ويُلزم السلطات بتشريع قوانين خاصة لمكافحة هذا النوع من الجرائم
ثانياً: الإطار التشريعي الوطني (قانون العقوبات والقوانين الخاصة)
1- قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 المعدل :- على الرغم من قدم القانون، إلا أنه يتضمن نصوصًا تؤسس لمعاقبة صور من الجريمة المنظمة
المواد (48–53): تنظيم مسؤولية الاشتراك في الجريمة (فاعل، شريك، محرض، متدخل)، وهي مهمة في معالجة عمل العصابات .
المادة (89): تشديد العقوبة عند ارتكاب الجريمة بواسطة جماعة منظمة و المواد (190–194): تجريم التشكيلات غير القانونية والعصابات المسلحة و المواد (452–456): السرقة، السلب، الحرابة، وهي جرائم عادةً ما ترتكب عبر جماعات منظمة
إلا أن طبيعة الجريمة المنظمة الحديثة تقتضي تشريعات أكثر خصوصية .
2- قانون مكافحة المخدرات رقم 50 لسنة 2017 يشدد العقوبات على شبكات الاتجار بالمخدرات، ويعد من أهم التشريعات المعاصرة، بما فيها : المادة (28): السجن المؤبد أو المؤقت للاتجار أو الترويج و المادة (31): الإعدام في حالة الاشتراك بعصابة منظمة .
3- قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب رقم 39 لسنة 2015 و يمثل أحد أهم القوانين في مكافحة الجريمة المالية : المادة (3): تعريف غسل الأموال كجريمة منظمة ذات طابع عابر للحدود و المادة (7): إنشاء مكتب مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب و المادة (27): تجريم إخفاء أو تحويل الأموال المتأتية من نشاطات إجرامية .
تطبيقه يتوافق مع توصيات مجموعة العمل المالي . (FATF)
4- قانون مكافحة الإرهاب رقم 13 لسنة 2005 رغم طبيعته الأمنية، إلا أنه يشمل جرائم ترتكبها شبكات منظمة .
المادة (1): تعريف التنظيمات الإرهابية كجماعات منظمة و المادة (2): تجريم الانتماء إلى جماعات تمارس القتل، الخطف، التفجير، والابتزاز .
5- قانون الاتجار بالبشر رقم 28 لسنة 2012 من أهم القوانين المتوافقة مع اتفاقية باليرمو :
المادة (5): عقوبة لا تقل عن 15 سنة لمن ينشئ أو يدير شبكة اتجار و المادة (6): تشديد العقوبة إلى الإعدام عند حدوث وفاة أو استغلال قاصر.
6- قانون مكافحة تهريب النفط ومشتقاته لسنة 2011 و عالج إحدى أكثر الجرائم المنظمة انتشارًا في العراق
عقوبات تصل إلى السجن المؤبد للتهريب المنظم
ثالثاً: الآليات المؤسسية لمكافحة الجريمة المنظمة
1- وزارة الداخلية – مديرية مكافحة الجريمة المنظمة وتتولى التحقيق والمتابعة والعمليات الخاصة.
مسؤوليتها تشمل مخدرات، اتجار بالبشر، ابتزاز إلكتروني، تهريب.
2- جهاز الأمن الوطني و يركز على شبكات الجريمة المرتبطة بجهات مسلحة أو عابرة للحدود
3- هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية و تتعامل مع الجرائم المنظمة ذات الطابع المالي والفساد الإداري
4- مكتب مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب و يراقب التحويلات المالية ويطبق المعايير الدولية
رابعاً: أركان الجريمة المنظمة وفق القانون العراقي والمعايير الدولية
تعتمد الجريمة المنظمة على ركنان : 1- الركن المادي ويتضمن : وجود أكثر من شخصين (جماعة إجرامية منظمة) يقومون بتقسيم الأدوار (تمويل – تنفيذ – تخطيط – حماية و يتم إستخدام وسائل غير مشروعة: العنف، الفساد، التهديد، التهريب .
2- الركن المعنوي يتجسد في : القصد الجنائي العام: علم الجناة بطبيعة فعلهم , و القصد الخاص : تحقيق ربح أو نفوذ أو سيطرة غير مشروعة .